العودة إلى القائمة

لما أبطل أهرب ... يوحنا ٤

تخيل إنك قابلت شخص لأول مرة، وفجأة اكتشفت إنه عارف عنك حاجات كتير جدًا.

حاجات إنت أصلًا مش بتحب حد يعرفها. أول رد فعل غالبًا هيكون إنك تتوتر وتحاول تغير الموضوع أو تبعد.

لكن في يوحنا ٤ بنشوف حاجة مختلفة. المسيح قابل واحدة سامرية عند بئر يعقوب، وكانت حياتها مليانة حاجات هي نفسها مش سهلة عليها. ورغم كدا، المسيح ما هربش منها، وما حكمش عليها، لكنه قعد واتكلم معاها. ونموذج للمواجدة 👌

السامرية جاية البير وقت الظهر، في وقت الحر، والمشهد من البداية فيه حاجة ملفتة. واضح إن عندها حياة وعلاقات فيها تعقيد، وكانت محتاجة مواجهة.

والمسيح بدأ معاها بطريقة بسيطة جدًا، أعطيني لأشرب. مفيش اتهام، مفيش محاضرة، مجرد بداية لحوار.

هي استغربت إن يهودي يكلم سامرية، والمسيح بدأ ينقل الكلام من مجرد مية من البير إلى الماء الحي.

وهنا بدأ يكلم احتياج أعمق جواها. كأنه بيقول لها إن المشكلة مش بس في الظروف اللي حواليها، لكن فيه عطش جوا الإنسان، عطش مش أي حاجة في الدنيا تقدر تشبعه.

وبعدها المسيح دخل معاها في المنطقة اللي إحنا ساعات بنهرب منها. قال لها، اذهبي وادعي زوجك. فقالت له، ليس لي زوج. المسيح كان عارف الحقيقة كاملة، وقال لها إنه عارف إن كان لها خمسة أزواج، وإن اللي معاها دلوقتي مش زوجها.

هنا السامرية اكتشفت إن اللي قدامها شخص مش عادي. لكنه في نفس الوقت ما فضحهاش، وما استخدمش معرفته بحياتها علشان يهينها. هو واجهها بالحقيقة، لكن فضل فاتح لها باب.

ودي يمكن أهم نقطة في القصة كلها، المسيح مش بيواجهنا بالحقيقة علشان يكسرنا، لكنه بيواجهنا بيها علشان يطلعنا من المكان اللي إحنا عالقين فيه.

أحيانًا إحنا بنخاف نبص على حياتنا بصدق، لأننا فاكرين إن مواجهة الحقيقة معناها إدانة.

لكن السامرية اكتشفت إن ممكن أقف قدام الحقيقة، وأفضل محبوب.

بعد كده السامرية حاولت تنقل الكلام لموضوع تاني، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. والمسيح ما دخلش معاها في جدال ديني، لكنه وصل للكلام الأهم، الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. يعني ربنا مش بيدور على شكل من بره، لكن على إنسان جاي له بصدق.

وفي وسط الحوار، السامرية قالت له إنها عارفة إن المسيا جاي، ولما ييجي هو هيخبرهم بكل شيء. فقال لها المسيح، أنا الذي أكلمك هو.

هنا اللحظة بتاخد شكل مختلف. الست اللي كانت حياتها مليانة أسئلة وتعقيدات، المسيح اختار يكشف لها نفسه ويكلمها مباشرة.

والأجمل إن القصة ما خلصتش عند البير. السامرية تركت جرتها، ورجعت للمدينة، وقالت للناس، هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت.

تخيل التحول. الست اللي كانت قاعدة تتكلم مع المسيح عن حياتها، بقت راجعة للناس اللي يمكن كانت بتحاول تهرب منهم. مش لأنها بقت إنسانة كاملة في لحظة، لكن لأنها قابلت شخص شافها على حقيقتها وما رفضهاش.

يمكن دي واحدة من أجمل الرسايل في قصة السامرية، المسيح عارف كل حاجة عنك، ورغم كدا لسه بيكلمك.

عارف الأماكن اللي بتتوجع منها، عارف قراراتك الغلط، عارف هروبك، وعارف الحاجات اللي بتحاول تخبيها، لكنه مش بيقابلك علشان يفضحك؛ بيقابلك علشان يفتح معاك بداية جديدة.

والسامرية بتعلمنا إن المواجهة مع المسيح مش معناها إنك تفضل واقف عند ماضيك. بالعكس، لما أواجه الحقيقة قدام ربنا، أقدر أبدأ أتحرك.

هي دخلت الحوار وهي شايلة جرتها، وخرجت منه وتركتها ومشيت. وكأن في حاجة كانت ماسكاها، ولما قابلت المسيح بدأت تسيبها.

يمكن إحنا كمان محتاجين نسأل نفسنا، إيه الحاجة اللي لسه شايلينها؟ إيه اللي بنهرب منه؟ إيه الحقيقة اللي مش عايزين نبص لها؟ وإيه الاحتياج اللي بنحاول نشبعه بأي طريقة؟

المسيح في يوحنا ٤ ما طلبش من السامرية إنها تمثل إنها كويسة. طلب منها الحقيقة، وقابل الحقيقة بنعمة. وده اللي بيخلي اللقاء معاه مختلف، أنا مش محتاج أستخبى علشان ربنا يحبني، ومش محتاج أكمل في نفس الطريق علشان أخاف أواجه نفسي.

وفي النهاية، السامرية ما فضلتش عند البير. قابلت المسيح، سمعت منه، واجهت الحقيقة، وبعدها اتحركت.

و يمكن دي دعوة بسيطة لينا، ما تكتفيش إنك تعرف إن المسيح عارفك. اسمح له إنه يقابلك في الحقيقة، ويسألك عن العطش اللي جواك، وبعدها خد الخطوة اللي قدامك.

يمكن مش مطلوب منك النهارده تصلح حياتك كلها. يمكن المطلوب بس إنك تبطل تهرب، وتقول للمسيح بصدق، أنا هنا… وإنت عارفني. وريني الحقيقة، وساعدني أبدأ من جديد.