العودة إلى القائمة

لما أعترف إني مش قادر لوحدي... الخطوة الأولى

إمتى تعرف إنك محتاج مساعدة؟

أحيانًا المشكلة مش إننا مش عارفين الصح من الغلط، لكن إننا عارفين الصح وبنعمل عكسه، أو بناخد قرارات بنوعد نفسنا إننا مش هنكررها، وبعد فترة نلاقي نفسنا رجعنا لنفس الدائرة. ممكن نقول، المرة دي هتحكم في نفسي، أو أنا عرفت غلطتي ومش هكررها، أو أقدر أبطل وقت ما أحب. لكن مع الوقت، نكتشف إن الموضوع مش بالبساطة اللي كنا متخيلينها.

في الإدمان، ممكن الشخص يقضي وقت طويل بيحاول يثبت لنفسه وللناس إنه مسيطر، وكل مرة يحصل فيها انتكاس يلاقي تفسير جديد، الظروف كانت صعبة، أو الناس ضغطت عليه، أو هو كان متضايق، أو المرة دي مختلفة. وممكن فعلًا تكون الظروف صعبة، لكن السؤال المهم، ليه رغم كل المحاولات بنرجع لنفس النتيجة؟

الخطوة الأولى في برنامج الاثنتي عشرة خطوة N A بتدعونا نبص للحقيقة من غير إنكار أو تبرير أو جلد للذات. مش علشان نحكم على نفسنا بالفشل، لكن علشان نعترف إن الطريقة اللي كنا بنحاول بيها ما كانتش كفاية، وإننا محتاجين مساعدة وطريقة مختلفة للحياة.

يعني إيه العجز أمام الإدمان؟

الخطوة الأولى بتقول، اعترفنا بأننا عاجزون أمام إدماننا، وأن حياتنا أصبحت غير قابلة للإدارة.

كلمة عاجز ممكن تكون تقيلة على ناس كتير؛ لأننا اتعودنا إن القوة معناها إننا نقدر نتحكم في نفسنا وفي ظروفنا. فإزاي أكون عاجز؟ وهل معنى كده إني ضعيف أو ماليش إرادة؟

الحقيقة إن العجز هنا مش معناه إنك عاجز عن كل حاجة في حياتك، ولا إنك شخص ضعيف أو إنك مش مسؤول عن تصرفاتك. معناه إنك بتعترف بحدود قدرتك أمام الإدمان، وإن محاولاتك السابقة للسيطرة عليه بإرادتك وحدها ما كانتش كفاية.

ممكن تكون ناجح في شغلك، وتعرف تحل مشاكل معقدة، وتساعد ناس كتير، لكن لما تيجي ناحية الإدمان تلاقي نفسك بتدخل في دائرة متكررة من القرار، والتبرير، والتعاطي، والندم، ثم الوعد بالتغيير. هنا المطلوب مش إنك تنكر قدراتك، لكن إنك تعترف إن فيه مشكلة محتاجة تعامل مختلف.

الاعتراف بالعجز مش معناه إني ما أقدرش أعمل حاجة؛ معناه إني ما بقيتش مصرّ إني أواجه الإدمان بنفس الطريقة القديمة.

طب يعني إيه إن حياتي بقت غير قابلة للإدارة؟

أحيانًا بنفهم الجزء ده على إنه لازم أكون خسرت شغلي، أو بيتي، أو فلوسي، أو وصلت لقاع مؤلم جدًا علشان أعترف إن عندي مشكلة. لكن مش لازم نوصل للمرحلة دي.

ممكن حياتك من بره تبدو مستقرة، لكن من جوه تكون عايش في قلق مستمر، أو بتخبي حاجات عن أقرب الناس ليك، أو بتستهلك وقتك وطاقتك في التفكير في التعاطي أو في إخفاء آثاره. ممكن تلاقي نفسك بتأجل مسؤولياتك، أو بتكسر وعودك، أو بتتصرف بطريقة مش شبه الشخص اللي نفسك تكونه.

وعدم القدرة على إدارة الحياة مش معناها إنك مش عارف ترتب يومك أو تنظم وقتك؛ المقصود إن الإدمان بدأ يأثر على قدرتك على اتخاذ قرارات صحية، والالتزام بمسؤولياتك، والتعامل مع مشاعرك وعلاقاتك بصورة مستقرة.

وفيه فرق بين إن الحياة يكون فيها مشاكل، وبين إن الإدمان نفسه يبقى جزء من المشكلة وطريقة التعامل معاها في نفس الوقت. يعني أكون متضايق فألجأ للتعاطي علشان أهرب من الضيق، وبعدها تظهر مشاكل جديدة تزود ضيقي، فأرجع أستخدم نفس الطريقة للهروب.

وبكدا تتحول الوسيلة اللي كنت فاكر إنها هتريحني من الألم إلى جزء من الألم نفسه.

وإيه اللي بيخلينا نقاوم الاعتراف؟

فيه أسباب كتير ممكن تخلينا نرفض الاعتراف بحقيقة الإدمان. أحيانًا بنقارن نفسنا بحد حالته أسوأ مننا، فنقول، أنا مش زيه. وأحيانًا نفتكر إننا طالما قدرنا نبطل فترة، يبقى إحنا نقدر نتحكم في الموضوع وقت ما نحب. وممكن نركز على إننا لسه بنشتغل أو بنصرف على بيتنا، ونستخدم ده دليلًا إن مفيش مشكلة كبيرة.

وفيه كمان الخوف من نظرة الناس، أو الخوف من فقدان صورتنا عن نفسنا. يمكن الاعتراف معناه بالنسبة لنا إننا نعترف إننا غلطنا، أو أذينا ناس، أو ضيعنا فرصًا، أو خذلنا نفسنا. وده ممكن يكون مؤلمًا لدرجة تخلينا نفضل في الإنكار بدل ما نواجه الحقيقة.

لكن الاعتراف مش معناه إن كل حاجة في حياتك كانت فشل، ولا إنك شخص سيئ. معناه إنك بدأت تفرق بين قيمتك كإنسان وبين المشكلة اللي محتاج تتعامل معاها.

الإنكار بيخليني أحافظ على صورة معينة عن نفسي، لكن الاعتراف بيديني فرصة أغيّر حياتي فعلًا.

الاعتراف مش جلد للذات ولا استسلام

مهم نفرق بين الاعتراف والمسؤولية من ناحية، وبين الإهانة وجلد الذات من ناحية تانية.

لما أعترف إني عاجز أمام الإدمان، مش معنى كده إني أقول، أنا فاشل، ومش هتغير، ومفيش فايدة مني. دي أحكام قاسية بتقفل باب التغيير. لكن ممكن أقول، أنا حاولت كتير أتعامل مع المشكلة لوحدي، والطريقة دي ما نفعتش، ومحتاج أقبل المساعدة وأتعلم أعيش بشكل مختلف.

الخطوة الأولى مش بتشيل عني مسؤوليتي ناحية أفعالي، لكنها بتساعدني أبطل أتعامل مع الإدمان وكأنه مجرد قرار بسيط أقدر أسيطر عليه في أي لحظة. أنا مسؤول عن طلب المساعدة، والصدق، والالتزام بالتعافي، حتى لو كنت محتاج دعمًا من ناس تانية علشان أقدر أستمر.

والأهم إن الاعتراف بالحقيقة مش محتاج إنك توصل لقاع معين أو تخسر كل حاجة. تقدر تبدأ من دلوقتي، قبل ما الخساير تزيد.