في التعافي بنتعلم إن المشكلة مش دايمًا في اللي حصل لينا، ولا في الناس اللي حوالينا. ساعات المشكلة الحقيقية بتكون في حاجات جوانا إحنا مش شايفينها، أو شايفينها بس مش مستعدين نعترف بيها.
ممكن أبقى مقتنع إن الناس هي اللي بتستفزني، وإن الظروف هي اللي بتخليني أتعصب، وإن فلان هو السبب في مشاكلي، لكن ما أقفش وأسأل نفسي: أنا إيه دوري في اللي بيحصل؟ وإيه اللي جوايا بيخليني أتصرف بالطريقة دي؟
هنا بييجي مزمور ١٣٩. داود بيقول: يا رب، أنت فحصتني وعرفتني. يعني أنت مش بس عارف تصرفاتي، أنت عارف أفكاري، ومشاعري، ودوافعي، والحاجات اللي حتى أنا ساعات مش فاهمها في نفسي. ودي فكرة مهمة جدًا في التعافي؛ لأن التغيير الحقيقي بيبدأ لما أبطل أهرب من نفسي وأبدأ أشوفها بصدق.
بس إنك تشوف نفسك بصدق مش معناه إنك تكره نفسك أو تقعد تجلد ذاتك. فيه فرق كبير بين الاعتراف بعيبي وبين إني أختصر نفسي كلها في عيبي.
أنا ممكن أكون عندي غضب، أو خوف، أو تحكم، أو احتياج شديد لقبول الناس، أو هروب من المواجهة، أو صعوبة في وضع الحدود، لكن ده مش معناه إني إنسان بلا قيمة. بالعكس، لما أشوف ضعفي من غير تبرير ومن غير جلد، أقدر أبدأ أتعامل معاه.
أوقات إحنا مش بنكدب على الناس بس، إحنا ممكن نكدب على نفسنا كمان. واحد يقول، أنا بس بحب أساعد الناس، لكن لما يبص بصدق يكتشف إنه مش قادر يسيب الناس تختار لوحدها وإن مساعدته ساعات بتكون محاولة للتحكم. واحد يقول، أنا مش فارق معايا رأي حد، لكنه في الحقيقة بيخاف جدًا من الرفض. وواحد يقول، أنا عصبي عشان الناس مستفزة، لكنه يكتشف إن العصبية ساعات بتغطي خوف أو إحساس بالعجز أو جرح قديم.
علشان كده السؤال المهم في التعافي مش بس، أنا عملت إيه؟ لكن كمان، إيه اللي كان جوايا وأنا بعمل كده؟. لأن السلوك اللي ظاهر قدامه قصة أعمق منه. ممكن الغضب يكون تحته خوف، وممكن السيطرة يكون تحتها عدم أمان، وممكن العند يكون تحته جرح، وممكن إرضاء الناس يكون تحته خوف من الرفض.
داود هنا بيطلب من ربنا في نهاية المزمور، اختبرني يا الله واعرف قلبي. امتحني واعرف أفكاري، وانظر إن كان فيَّ طريق باطل، واهدني طريقًا أبديًا. لاحظ إنه مش بيقول، يا رب، شوف الناس اللي حواليا واعرف غلطهم. هو بدأ بنفسه. دي صلاة شخص مستعد للتغيير؛ لأنه بدل ما يقضي حياته في محاولة إصلاح كل اللي حواليه، بدأ يسأل، يا رب، أنا محتاج أشوف إيه في نفسي؟.
وده تحدي مهم جدًا للمتعافي. كل مرة يحصل موقف ويكون رد فعلك قوي، حاول ما تكتفيش بسؤال، هو ليه عمل فيا كده؟ اسأل كمان، أنا حسيت بإيه؟ وليه الموقف لمسني بالشكل ده؟ وإيه الحاجة اللي كنت بحاول أحميها أو أثبتها أو أهرب منها؟.
ممكن تكتشف إن الموقف الحالي لمس جرح قديم، أو خوف، أو احتياج، أو نمط قديم لسه موجود.
زي لو حد لامك، ممكن أول رد فعل يكون إنك تهاجمه أو تدافع عن نفسك أو تقفل الكلام. لكن بدل ما تعتبر إن المشكلة كلها فيه، قف لحظة واسأل نفسك، إيه اللي حصل جوايا؟ هل أنا حسيت بالإهانة؟ هل خوفت إن صورتي قدام الناس تقع؟ هل أنا مش قادر أسمع أي ملاحظة عن نفسي؟.
هنا أنت مش بتبرر للشخص اللي انتقدك، لكنك بتاخد مسؤوليتك عن رد فعلك. وده هو الفرق بين المتعافي اللي بيتعلم وبين الشخص اللي بيفضل يكرر نفس الدائرة.
المتعافي مش معناه إنه عمره ما يغضب أو يخاف أو يتوجع. المتعافي هو اللي بدأ يعرف نفسه، ويلتقط مشاعره، ويعترف بدوره، وياخد مساحة قبل ما يرجع للسلوك القديم.
ومزمور ١٣٩ بيدينا كمان حاجة جميلة جدًا، الله يعرفني بالكامل، ومع ذلك لا يتركني. داود بيقول، أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب؟.
بالنسبة للإنسان اللي متعود يستخبى، الفكرة دي ممكن تكون مخيفة في البداية، لكنها في الحقيقة مريحة جدًا. أنا مش محتاج ألبس قناع قدام ربنا. مش محتاج أمثل إني أقوى مما أنا عليه. أقدر أقول له، أنا خايف، أنا غضبان، أنا متعلق، أنا غيران، أنا مش عارف أسيب، أنا لسه بتوجع من حاجات حصلت.
المزمور مش بينتهي عند اكتشف عيوبك، لكنه بينتهي بطلب: اهدني طريقًا أبديًا. يعني الهدف من فحص النفس مش إنك تفضل واقف قدام عيوبك وتكره نفسك، لكن إنك تكتشف الطريق اللي محتاج تمشي فيه.
تعالوا نتمرن مع بعض:
خد موقف حصل معاك من قريب ولسه مأثر فيك، واكتبه بهدوء. اسأل نفسك إيه اللي حصل فعلًا؟ أنا حسيت بإيه؟ إيه الفكرة اللي جت في دماغي وقتها؟ أنا تصرفت إزاي؟ وإيه الاحتياج أو الخوف اللي ممكن يكون ورا رد فعلي؟. حاول تجاوب بأمانة من غير ما تدافع عن نفسك ومن غير ما تجلد نفسك.
وبعدها صلّي يا رب، أنت عارفني أكتر ما أنا عارف نفسي. وريني اللي أنا مش شايفه، واديني شجاعة أواجهه من غير خوف، ومن غير جلد للذات. علمني أتحمل مسؤوليتي عن نفسي، وأسيب اللي مش بتاعي، وأمشي معاك في الطريق الجديد.
التعافي مش معناه إني أبقى شخص كامل. التعافي معناه إني أبقى شخص صادق؛ أعرف نقاط ضعفي، وما أستخباش منها، وما أستخدمهاش كحجة، وفي نفس الوقت ما أستخدمهاش عشان أكره نفسي. أشوف نفسي بصدق، وأقبل إن عندي حاجات محتاجة شغل، وأسمح لربنا وللناس الآمنة حواليا يساعدوني في الطريق.
يمكن أهم صلاة في مزمور ١٣٩ هي، افحصني يا رب. لأن أول خطوة في التغيير مش إنك تصلح نفسك، لكن إنك تكون مستعد تشوف نفسك زي ما هي، وتسيب ربنا يقودك للخطوة اللي بعدها.
