Back to list

هو أنا مرتاح ولا خايف؟

ممكن الإنسان يعيش فترة طويلة في علاقة فيها توتر وخوف، لدرجة إنه يتعود على الوضع، ومايبقاش واخد باله هو بيدفع تمن قد إيه من راحته النفسية.

يبقى طول الوقت بيحسب كلامه، ويراقب ردود فعل اللي قدامه، ويحاول يتجنب أي حاجة ممكن تعمل مشكلة. ولما اليوم يعدي من غير خناق، يقول: الحمد لله، النهارده كان كويس.

بس خلينا نسأل نفسنا: هو اليوم كان كويس فعلًا؟ ولا إحنا بس ارتحنا شوية لأن المشكلة ماحصلتش؟

الموضوع ده مهم جدًا في التعافي من الإدمان؛ لأننا مش بنتعافى من استخدام مادة بس، إحنا بنتعلم كمان إزاي نعيش مع مشاعرنا، ونتعامل مع الناس، ونواجه الخلافات من غير ما نهرب أو ندمر نفسنا.

فيه متعافيين ممكن يكونوا عاشوا في علاقات مليانة خوف أو تهديد أو عدم استقرار، وفيه ناس اتعلمت من بيتها إنها لازم ترضي الكل، وماتقولش لأ، وماتعبرش عن غضبها، وتستحمل علشان تحافظ على العلاقة. وممكن حد تاني يكون هو اللي بيستخدم الغضب أو الصمت أو التهديد علشان يسيطر على اللي قدامه.

المهم هنا إننا مانحكمش على نفسنا ولا على بعض، لكن نفهم الأنماط اللي اتعلمناها، ونشوف إزاي نقدر نغيرها.

السؤال اللي هنمشي مع بعض فيه هنا: هل أنا بختار أفعالي بحرية، ولا الخوف هو اللي بيسوقني؟

يعني إيه أخلط بين الهدوء والأمان؟

خلينا نفرق بين 3 حاجات:

  • الهدوء: مفيش خناق أو مشكلة بتحصل دلوقتي.

  • الأمان: أقدر أتكلم وأختلف وأعبر عن نفسي، من غير ما أكون خايف من الإهانة أو التهديد أو العقاب.

  • التعود على الخوف: أبقى متوقع المشكلة في أي لحظة، وأعتبر غيابها المؤقت إنجاز أو راحة كبيرة.

تخيل واحد متعود إن أي اختلاف في الرأي بينتهي بخناقة كبيرة. مع الوقت، ممكن يبطل يقول رأيه، ويوافق على حاجات مش مقتنع بيها، ويعتذر حتى لو مش غلطان. ولما الطرف التاني يسكت، يحس براحة.

لكن هل المشكلة اتحلت؟ لأ، هو بس أتجنب المواجهة، وممكن يكون دفع تمن ده من كرامته وراحته وثقته في نفسه.

مش كل سكوت سلام، ومش كل غياب للخلاف معناه إن العلاقة آمنة.

وفي نفس الوقت، مش معنى إننا بنتوتر من أي خلاف إن الطرف التاني لازم يأذينا؛ ساعات بيكون عندنا خوف قديم من الرفض أو الهجر، وبيظهر حتى في علاقات ممكن نختلف فيها بأمان. علشان كده، محتاجين نفهم مصدر خوفنا بدل ما نفترض أسوأ الاحتمالات أو نتجاهل إحساسنا.

طب إزاي الخوف بيأثر على المتعافي؟

الخوف مش دايمًا بيظهر في صورة إننا بنترعش أو بنهرب. ساعات بيظهر في أفعال إحنا نفسنا مش فاهمين ليه بنعملها.

1. إرضاء الناس على حساب نفسي

أوافق علشان محدش يزعل مني، وأسكت عن حقي علشان محدش يسيبني، وأحاول أكون الشخص اللي الكل عايزه، حتى لو ده على حساب احتياجاتي.

2. تجنب المواجهة

بدل ما أتكلم عن حاجة مضايقاني، أهرب منها. أقول لنفسي: مش مستاهلة، مع إن الموضوع بيتراكم جوايا، لحد ما أنفجر أو أنسحب فجأة.

3. تفسير أي اختلاف على إنه تهديد

لو حد اتضايق مني، أفتكر إنه خلاص مش بيحبني. لو حد انتقدني، أحس إني فاشل. ولو حد سكت، أبدأ أتخيل إنه هيبعد عني.

4. الهروب من المشاعر

ودي نقطة مهمة في التعافي. لما أحس بالخوف أو الغضب أو الرفض، ممكن أكون عايز أهرب من الإحساس بأي طريقة. وهنا ممكن ترجع قدامي أنماط الهروب القديمة، ومنها التفكير في التعاطي.

لكن لازم نفهم إن وجود المشاعر دي مش معناه إني هنتكس، وإن التعافي مش معناه إني مش هخاف؛ معناه إني أتعلم أتعامل مع خوفي بطريقة صحية، وأطلب المساعدة بدل ما أواجه لوحدي.

5. الخلط بين الحب والسيطرة

ممكن أفتكر إن علشان بحب حد، لازم أتحمل كل حاجة منه. أو أفتكر إن غيرتي الشديدة وخوفي من خسرته دليل على قوة الحب.

لكن الحب مش معناه إني ألغي نفسي، ولا إن الطرف التاني يبقى مسؤول عن مشاعري، ولا إني أستخدم الخوف علشان أضمن إنه يفضل معايا.

داود وشاول في صموئيل الأول 18– 24

علاقة داود بشاول بتقدم لينا نموذج واضح عن شخص عاش تحت تهديد مستمر من شخص كان المفروض يكون مصدر أمان ليه، أو على الأقل شخص يقدر يتعامل معاه من غير ما يخاف على حياته.

في البداية، داود كان بيخدم شاول، وبيحارب أعداء شعبه، وماكانش داخل العلاقة بهدف إنه يأذيه. لكن مع الوقت، غيرة شاول وغضبه خلوا العلاقة تتحول لمصدر خطر. وفي صموئيل الأول 18: 10–11، شاول حاول يقتل داود بالرمح.

تخيل داود وهو داخل يخدم شاول، ومش عارف رد فعله هيكون إيه. هل هيكون هادي؟ هل هيغضب؟ هل هيحاول يأذيه تاني؟

في علاقة بالشكل ده، الإنسان ممكن يفضل طول الوقت مركز لكل حركة وكلمة، مش لأنه عايز يعيش في توتر، لكن لأنه بيحاول يحمي نفسه.

إيه اللي نتعلمه من داود؟

1. مش كل حاجة أقدر أتحملها يبقى لازم أستمر فيها.

داود مااعتبرش إن خدمته لشاول معناها إنه لازم يفضل في قدامه. لما الخطر زاد، هرب وحمى نفسه (1 صموئيل 19: 9–12).

وده يعلمنا إن المحبة والغفران مش معناهم إننا نعرض نفسنا للأذى، وإن الحفاظ على سلامتنا مش خيانة ولا ضعف إيمان.

2. مش مسؤول عن رد فعل الشخص التاني.

داود ماكانش يقدر يتحكم في غيرة شاول أو غضبه. كان يقدر يختار أفعاله، لكن ماكانش يقدر يضمن إن شاول هيبقى هادي أو عادل.

وده فرق مهم في التعافي: أنا مسؤول عن سلوكي، وعن الصدق في كلامي، وعن إصلاح غلطي، لكن مش مسؤول إني أضمن إن كل الناس ترضى عني.

3. الهدوء المؤقت مش دليل كفاية على إن الخطر انتهى.

في صموئيل الأول 24، جات لداود فرصة إنه يقتل شاول، لكنه رفض الانتقام منه. ورغم كده، داود ما رجعش يعيش تحت سيطرته، واستمر في حماية نفسه.

داود قدر يرفض الانتقام من غير ما يعرض نفسه للخطر . وده بيفرق بين إن قلبي مايبقاش مليان كراهية، وبين إني أرجع لعلاقة لسه مش آمنة.

الرسالة هنا: أنا ممكن أحب، وأسـامح، وأرفض الانتقام، وفي نفس الوقت أحط حدود تحميني. مش لازم أختار بين إني أكون إنسان محب، وإني أحافظ على نفسي.

وإزاي أبدأ أتعلم الأمان من جديد؟

التغيير بيبدأ لما أتعلم ألاحظ نفسي، بدل ما أتصرف تلقائيًا بدافع الخوف.

1. اسأل نفسك: أنا خايف من إيه؟

هل خايف من اختلاف عادي؟ ولا من إهانة أو تهديد أو عقاب متكرر؟ تحديد مصدر الخوف بيساعدني أختار الفعل المناسب.

2. اتعلم تعبر عن نفسك واحدة واحدة.

ابدأ مع شخص بتثق فيه تقدر تتكلم معاه بأمان. اتعلم تقول إنك متضايق، أو إنك مختلف، من غير هجوم ولا اعتذار .

3. حط حدود واضحة.

الحدود مش وسيلة لمعاقبة الناس؛ هي طريقة لتحديد إيه اللي أقدر أقبله وإيه اللي محتاج أحمي نفسي منه. ولو فيه تهديد أو عنف، الأولوية للأمان وطلب المساعدة المتخصصة.

4. ماتواجهش كل ده لوحدك.

اتكلم مع مرشدك في التعافي، أو المعالج، أو شخص بتثق فيه. أحيانًا بنحتاج حد يساعدنا نفرق بين الخوف اللي جاي من تجاربنا القديمة، والخطر الحقيقي اللي محتاجين نتعامل معاه.

خلي الأسئلة دي معاك، رد عليها بينك وبين نفسك و المعالج بتاعك

  1. إيه الفرق بالنسبالك بين إنك تكون مرتاح، وإنك تكون بس متجنب مشكلة؟

  2. لما حد يزعل منك، إيه أول فكرة بتيجي في دماغك؟ وهل بتتصرف بناء عليها فورًا؟

  3. هل حصل إنك وافقت على حاجة مش عايزها لمجرد إنك كنت خايف من رد الفعل؟

  4. لما بتحس بالخوف أو الرفض، بتواجه إحساسك، ولا بتهرب منه؟ وإيه علاقة ده بأنماطك القديمة في التعافي؟

  5. إيه الحدود اللي محتاج تتعلم تحطها علشان تحافظ على تعافيك وعلاقاتك؟

  6. إزاي تقدر تفرق بين علاقة فيها خلافات طبيعية، وعلاقة بتخليك تعيش في خوف مستمر؟

تعالوا نتمرن:

اختار موقف حصل قريب، وحاول تجاوب عن الأسئلة دي بين وبين نفسك:

  • الموقف: إيه اللي حصل فعلًا؟

  • إحساسي: حسيت بخوف، أو غضب، أو رفض، أو قلق؟

  • تفسيري: إيه اللي قلت لنفسي إنه هيحصل؟

  • رد فعلي: اتكلمت؟ سكت؟ وافقت رغم إني مش مقتنع؟ هربت؟

  • اختيار جديد: إيه التصرف الصحي اللي ممكن أتعلمه للمرة الجاية؟

الهدف مش إنك تلوم نفسك على ردود أفعالك القديمة؛ غالبًا كانت دي الطرق اللي اتعلمت بيها تحمي نفسك وقتها. الهدف إنك تكتشف إذا كانت الطرق دي لسه بتساعدك، ولا بقت بتعطل تعافيك وعلاقاتك.

التعافي مش بس إني أبطل تعاطي، لكنه كمان إني أتعلم أعيش من غير ما الخوف يتحكم في كل قرار باخده.

أتعلم إن الخلاف مش لازم نهاية العلاقة، وإن من حقي أقول لأ، وإن مش كل زعل من الناس معناه إني عملت حاجة غلط.

وممكن أحتاج وقت علشان أتعلم ده، خصوصًا لو اتعودت سنين إني أراقب مزاج اللي حواليا وأحاول أرضيهم علشان أحس بالأمان. لكن الماضي مش حكم نهائي على مستقبلي، والأنماط اللي اتعلمتها ممكن أبدأ أغيّها واحدة واحدة، بمساعدة ربنا والناس الآمنة والمتخصصين.

أنا مش محتاج أضمن إن محدش هيزعل مني علشان أعيش في سلام. أنا محتاج أتعلم أتصرف بمحبة ومسؤولية، من غير ما أعيش محبوس لخوف الناس وردود أفعالهم.

وفي الآخر، خلينا نفتكر داود: رفض الانتقام من شاول، لكنه ما اعتبرش إن الغفران يلزمه يفضل في الخطر.

ودي رسالة مهمة لينا في التعافي: نقدر نختار المحبة من غير ما نتنازل عن الأمان، ونقدر نواجه خوفنا من غير ما نهرب منه أو نسمح له يسوق حياتنا.